مقالات // كل المقالات // العنف المجتمعي بتبريرات "علميّة" ورقة موقف ومساءلة مهنيّة حول ندوة جمعيّة حوّاء

العنف المجتمعي بتبريرات "علميّة" ورقة موقف ومساءلة مهنيّة حول ندوة جمعيّة حوّاء

العنف المجتمعي بتبريرات "علميّة"

ورقة موقف ومساءلة مهنيّة حول ندوة جمعيّة حوّاء

وردنا هذا الأسبوع إعلان لجمعية مركز حواء للثقافة والفنون في نابلس لعقد ندوة بعنوان "العـــلاقات الغـــير سويـــــة فـــي المجــتـــمع ومــوقـــف ذوي الاختصــــاص منـــــها" قاصدة فيها العلاقات المثليّة والتجارب الجنسيّة والجندريّة المختلفة بشكلٍ عام، تستضيف فيها أشخاص من خلفيات مهنيّة ومعرفيّة مختلفة ضمن برنامج ندواتها الثقافيّة والتوعويّة.

لفت انتباهنا بشكل لا لبس فيه التوجّه الإقصائي والقامع للتجارب الجنسيّة والجندريّة المختلفة، ابتداءً من العنوان الذي يصفها كعلاقات "شاذّة" و"غير سويّة"، حتّى وصف المضمون الذي يسعى إلى فهم أسباب "الظاهرة" و"دور الأهـــل والأســــرة فـــي محــــاربتها".

تواصلنا بشكل فوري مع الجمعية والمشاركين لإبداء اعتراضنا على توجّه الندوة الإقصائي والمغلوط، والدعوة للاستفادة من خبرتنا ومعرفتنا في الموضوع كمختصّات/ين فيه من خلال استضافتنا. لم نتلقّ أي تجاوب رسمي من الجمعيّة، وأكّدت لنا أن الطرح سيكون موضوعيًا وعلميًا كنوع من الإسكات، باستثناء د. شادي أبو كباش مدير مركز الاستشارات والصحة النفسية في جامعة النجاح الذي انسحب من الندوة التزامًا منه بالموقف المهني والأخلاقي المسؤول.

فيما يلي نقدّم موقفنا بخصوص الندوة، مسائلات/ين الجمعيّة والأشخاص المشاركين مهنيًا ومعرفيًا وأخلاقيًا؛ لكلّ ما ورد فيها من عدم احترام للقيم العلميّة والنسويّة والوطنيّة.

أوّلًا، لا يمتّ توجّه الندوة ومضمونها بالحقائق العلميّة والمهنيّة بأيّ صلة، وجلّ ما ورد فيها لغط وخلط للحابل بالنابل، بدءًا من المفاهيم والتعريفات الأساسيّة والبسيطة (مثل المثليّة الجنسية، الهوية الجنسية، الهويّة الجندريّة، وغيرها)، حتّى استخدام تحليلات وتفسيرات من المفترض أنّها "تفسّر الظاهرة". أقلّ ما يمكن وصف اللغة والمعلومات التي تمّ تقديمها في الندوة بأنّها مخجلة، وبعيدة كلّ البعد عن الموضوعيّة العلميّة، وتعتمد على أفكار بائدة وتمّ تفنيدها منذ زمن طويل.

على سبيل المثال، لم تقدّم الأخصائية النفــســيــة المتحدّثة في الندوة فاتن أبو زينة أيّ مرجع أو مصدر علمي معتمد للمداخلة التي طرحتها، والبعيدة كلّ البعد عن التوجّهات السيكولوجيّة الحديثة مثل ربط مشاهدة الأفلام الإباحيّة بالميول الجنسيّة المثليّة. أمّا محمد بشارات الذي قدّموه على أنّه "خبير التنمية البشرية" فقدّم اقتباسًا نسبه لرئيس جمعيّة علم النفس الأمريكيّة حول إمكانيّة علاج الميول المثليّة، وهو من محض الخيال حيث أزالت الجمعيّة المثليّة الجنسيّة كمرض يمكن علاجه منذ عام 1975. وغيرها من المغالطات والتشويهات التي اشترك فيها أيضًا الطبيب هشام النعنع في مداخلته الذي ربط بين المثليّة الجنسيّة والتعرّض للتحرّش والإغتصاب في الصّغر؛ وهذه مجرّد أمثلة من بحر المغالطات والتشويهات العلميّة في الندوة.

تنبع الخطورة من توجّه الندوة ومضمونها من الشرعيّة العلميّة والمهنيّة التي تنسبها لنفسها، فتقديم معلومات شبيهة في هذا الإطار ومن أشخاص يحملون ألقابًا رسميّة يعطيها صفة الصحّة والموضوعية ويذوّتها مجتمعيًا كحقائق ثابتة، وهي في الواقع بعيدة كلّ البعد عن ذلك. يتجلّى البعد عن الموضوعيّة والعلميّة التي تتدعيهما الندوة بوجود دكتور في الشريعة الإسلامية (صايل إمارة) يقدّم وجهة النظر الدينيّة، وهو بالضرورة ما يتناقض مع العلم بغضّ النظر عن طرحه.

ثانيًا، ليس من المصادفة أن عقد الندوة كان باشتراك أشخاص ممّن ساهموا سابقًا في الهجوم على مؤسسة القوس وأيّ عمل يخصّ قضايا التعددية الجنسية والجندرية، وبالتحديد الصحفي سامر خويرة الذي يسّر الندوة. نرى في الندوة استكمالًا لمسلسل العنف المجتمعي تجاه قضايا التعددية الجنسية والجندرية والأشخاص الذين يعيشون هذه التجارب منذ التحريض على مؤسسة القوس بعد عقد لقاء لها في نابلس ومرورًا ببيان الشرطة الفلسطينية الذي يمنع أنشطة المؤسسة وكلّ ما تبعه من آب الأخير حتّى الآن، ما يثبت أن خطوة عقد الندوة ليست بريئة وساذجة وهو الأمر الذي يمكن استشفافه بمجرّد سماع مقدّمة الندوة لمديرة الجمعيّة غادة عبد الهادي التي زخرت بمقولات رنّانة وديماغوجيّة مثل "تشويه حضارتنا ومنظومتنا القيمية" و"مخطط ضرب من الاحتلال"، وغيرها.

من المهمّ لنا التأكيد على أنّ مدينة نابلس ليست ملكًا لأحد، وليست حكرًا على أحد، وعلى الرغم من القبضة الأمنيّة والعشائريّة القامعة المشدّدة عليها، إلا أنّها كانت وما زالت دومًا مركزًا ثقافيًا واجتماعيًا متنوّعًا في فلسطين، وليس أدلّ على ذلك من عملنا فيها مع العشرات من النشطاء والحلفاء من الأشخاص والمؤسسات الصديقة من المدينة وما حولها في السنوات الأخيرة.

ثالثًا، من المؤسف جدًا أن تنظيم الندوة جاء على يدّ جمعيّة تعرّف نفسها ب"النسويّة"، وتهتمّ بالثقافة والفنّ الفلسطيني، فلعبت دورًا في تشويه المعلومات وتعزيز الأفكار اللإقصائيّة والمشيطنة لقضايا التعددية الجنسية والجندرية، بدلًا من المساهمة في تقدّم الحوار المسؤول والبنّاء حولها، التزامًا بالقيم النسويّة والتقدّمية الاجتماعيّة؛ وهو ما يضاعف من خطورتها وشرعيّتها، خاصّة عند التعرّف على إدارة الجمعيّة التي يقف خلفها السيّدة غادة عبد الهادي المعروفة كشخصيّة نسويّة ووطنيّة.

أمّا رابعًا وأخيرًا، قد تكون الندوة المذكورة وغيرها ممّا يدور في فلكها محطّ  مساءلة مهنيّة واجتماعيّة لمؤسسة القوس ومؤسسات مجتمع مدني مسؤولة أخرى، ونعي تمام الوعي لمغالطاتها وآثارها، إلّا أنّها في جانبها الأخطر تشكّل مصدرًا كبيرًا من الأذى والألم لأشخاص مثليات/ين ومتحولات/ين أو أي أشخاص متسائلات/ين ويعيشون توجهات جنسية وجندرية مختلفة وعائلاتهم، لما فيها من تذنيب ودعوة لقمع المشاعر وقتل التجارب، إضافة لما تخلقه من تحريض ضدّ هؤلاء الأشخاص نتيجة الأفكار المغلوطة والمشوّهة التي تطرحها.

نعيد التأكيد على أن قضايا التعددية الجنسية والجندرية هي قضايا مجتمعيّة تخصّ الجميع وليست فئة بعينها، والمسؤوليّة تجاهها مسؤوليّة المجتمع بكلّ ما فيه من مؤسسات وأحزاب وأخصّائيات/ين ومهنيّات/ين في مجالات مختلفة، وندعو الجميع بما فيه جمعيّة حواء والأشخاص المشاركين في الندوة لتحمّل هذه المسؤوليّة وتعزيز الحوار البنّاء تجاه هذه القضايا، والاستفادة من تجربة القوس ومعرفتها في هذا المجال بندوات أو تدريبات أو قنوات اتّصال مختلفة.

photo