مقالات // كل المقالات // سياسة "الإسقاط" الاستعمارية

سياسة "الإسقاط" الاستعمارية

بات معروفا منذ سنين طويلة بأن "الجنسانية" هي من ضمن الأدوات التي تستعملها أجهزة الاستعمار العسكرية في فلسطين من أجل تجنيد عملاء لها. نقول "الجنسانية " لأن ابتزازَ الأفراد المسمى بـ "الاسقاط" هو على خلفيّة سلوكهم الجنسي بشتى أشكاله المثلي وغير المثلي (مثلا علاقات عاطفية وجنسية خارج إطار الزواج وخيانات زوجية)، ونقول "ضمن الادوات" لأن الاسقاط يكون أيضاً على خلفيات أخرى لا علاقة لها بالجنسانية (مثلا الحاجة لرعاية صحية والتنقل، أمور مالية، تعاطي مخدرات وغيرها).

من هذا المنطلق فان التفاعل المجتمعي والإعلامي والمؤسساتي مع كشف ابتزاز ا لفلسطينيين بواسطة السلوكيات والهويّات الجنسية التي لا تتقيّد بالمعيار الجنسي المتقبَّل، كما حدث في نابلس قبل يومين، يعلمنا اننا لا زلنا نقع مجدداً في الفخ نفسه الذي طالما قمنا في القوس بالتحذير منه:

أولاً، في تركيز التعقيبات على "الجنسانية" عموماً و"المثلية الجنسية" خاصة وتقديمهم على انهم الأداة المركزية والأكثر إشكالاً في ممارسات أجهزة المخابرات الإسرائيلية، نقوم بإهمال العوامل الأخرى التي يتسبب بها الاستعمار ويستخدمها في تجنيد العملاء. بالرغم من الأبعاد الاجتماعية والسياسية والنفسية المركبّة للإسقاط فإننا أمام قضية تتعلق بجوهرها بالاستعمار واستراتيجياته مركبّة. في هذا الخصوص فإن إسرائيل طورت استراتيجية ذات عدة أوجه في استخدام جنسانية الفلسطينيين لكي تطور مصالحها الاستعمارية.

سواء قامت باستغلال مخاوف الأفراد من أجل تجنيدهم كعملاء، أو قامت بتقديم نفسها كمنقذ لهم من نيّر مجتمعهم لتعزيز سمعتها. لذلك يجب ألا تكون نظرتنا إلى هذه الظاهرة جزئية او منفصلة عن السياق العام، وأن نتذكر بأن القضيّة هذه ليست مرتبطة بالـ "مثلية الجنسية" أكثر من ارتباطها برغبة إسرائيل بتعزيز وجودها ومصالحها.

بالرغم من النوايا الحسنة للبعض في فضح سياسات الاستعمار وتناقضاتها من خلال التركيز على الجنسانية فإن هذا يصب في النهاية في مصلحة هذه السياسات القمعية من خلال تعزيز الربط المجحف والشائع بين "المثلية" وبين العمالة لإسرائيل في المتخيل الفلسطيني والعربي الجمعي والذي هو أحد العوامل التي رسّخت العنف المجتمعي تجاه المثليين.

ثانيًا، بالرغم من المعرفة و التيقن بوجود "الإسقاط" كسياسة استعمارية وفي خضم النقاش والتفاعل مع كل حدث يتعلق بها، نكاد لا نقرأ أي تحليل او توجّه يطرح نقاشاً مجتمعيا داخليا حول فهم تركيبة ما يجري، الفهم الاعمق لـ "رهاب المثلية" في السياق الاستعماري، ودور وموقف المجتمع ومؤسساته من هذه القضية وغيرها من الخلفيات التي يستخدمها الاستعمار في الإيقاع بالفلسطينيين وتجنيده كعملاء له.

لا بد أن نطور نقاشا مجتمعيا ونتساءل ونسائل المجتمع حول كل أنواع الابتزازات والتخويف ومن ضمنها "الإسقاط"، وحول إمكانية التصدي له من خلال ثقافة توعوية وتطوير واعتماد الحماية والتضامن والاحتواء والتكافل العائلي والمجتمعي الذي نعرفه جيداً.

photo
لا بد أن نطور نقاشا مجتمعيا ونتساءل ونسائل المجتمع حول كل أنواع الابتزازات والتخويف ومن ضمنها "الإسقاط"، وحول إمكانية التصدي له من خلال ثقافة توعوية وتطوير واعتماد الحماية والتضامن والاحتواء والتكافل العائلي والمجتمعي الذي نعرفه جيداً.